بعض التحديات في تدبيـــر الــداء الســــــكري

. محمد ماجد فلاحة
اختصاصي في أمراض غدد الصم والسكري

التحديات في معالجة المرضى السكريين كثيرة، إذ يحتاج المرضى عادة إلى الأدوية الفموية أو الأنسولين للسيطرة على مستوى سكر الدم.

كما تحتاج هذه الأدوية إلى تعديلات مناسبة ومتابعة لتأثيرات غير المرغوبة. بالإضافة لذلك يجب تثقيف وتشجيع المريض على مراقبة سكر الدم وضبط استهلاك مائيات الفحم والمساهمة الفعالة في العناية الذاتية للسيطرة على المرض. تسمح هذه المعالجات بإنقاص احتمال الاختلاطات المزمنة في الأوعية الدقيقة والكبيرة. بالإضافة للتحديات الاعتيادية المتعلقة بضبط السكري فإن عوامل عديدة كالأدوية والجراحة والأمراض قد تفاقم الداء السكري.

قد تؤدي الحالات السابقة إلى انكسار معاوضة حاد في ضبط الداء السكري حتى في حالة الضبط السكري الجيد.

قد تكون مهددة للحياة الاختلاطات الحادة للداء السكري كالحماض الكيتوني السكري الخلوني (DKA) وحالة فرط سكر الدم المفرط الأوزمولية (HHS):

و يجب أن تعالج بطريقة هجومية. من المهم للطبيب الإلمام بمعالجة الاختلاطات الحادة للداء السكري ولكن الأهم من ذلك هو كله الوقاية من فرط سكر الدم الحاد.

تشتمل الأسباب الشائعة لتفاقم الداء السكري على المرض العارض والجراحة والرضوض واستعمال الستيروئيدات القشرية Corticosteroids.

 

المرض العارض Intercurrent Illness:

قد يشكل المرض العارض تحدياً لأي مريض مصاب بمرض مزمن وهو مشكلة خاصة في مرضى الداء السكري حيث تفاقم هذه الحالات فرط سكر الدم حتى في مرضى الضبط الجيد وقد تؤدي إلى فرط سكر دم مهم. وقد عرف منذ مدة طويلة بأن الأخماج سبب رئيسي لفرط سكر الدم الحادو HHS وDKA.

يحدث فرط سكر الدم الناجم عن الأخماج نتيجة لعدة آليات مرضية حيث تبين أن Lipopolysaccharide السلبي الغرام يزيد المقاومة للأنسولين بدرجة مهمة، من الممكن أن يكون ذلك متواسطاً بهرمونات الشدة كالكورتيزول وهرمون النمو لأن مريض السكري غير قادر على زيادة إفراز الأنسولين كنتيجة لزيادة المقاومة على الأنسولين.

يتفاقم سكر الدم في سياق الأخماج وإن التشخيص والمعالجة المبكرين هما عاملين جوهريين لتجنب حدوث HHS – DKA.

 يجب تثقيف المريض السكري على وسائل تدبير أيام المرض الحاد منذ تشخيص المرض للتهيئة لهذه الأمراض.

يتطور فرط سكر الدم غالباً قبل ظهور أعراض الخمج وهو تحذير بأن الخمج في مرحلة التطور. يلاحظ المرضى مستعملي الأنسولين الزيادة المترقية في الحاجة للأنسولين خلال ساعات أو أيام من تطور الخمج.

يجب على المرضى مستعملي الأنسولين السريع أو السريع جداً زيادة جرعات الأنسولين التصحيحية بدرجة كبيرة أكثر من المعتاد وإذا كان فرط سكر الدم مترقياً أو شديداً فإنه يجب إستعمال الأنسولين السريع كل 4 ساعات لتجنب فرط السكر الشديد ويتضمن ذلك استعمال ساعة منبه ليلاً لتحري سكر الدم وإعطاء إنسولين إضافي. إذا ما استمر فرط سكر الدم على الرغم من هذه الوسائل فإن جدول جرعات التصحيح من الأنسولين يجب أن تزاد للمعاوضة عن زيادة المقاومة للأنسولين.

يزداد سكر الدم في مرضى الداء السكري النمط الثاني المعالجين بالحبوب حين حدوث الخمج على الرغم من أن درجة ارتفاع سكر الدم قد تكون أقل بسبب الاعتماد على احتياط الأنسولين المفرز من البنكرياس.

قد يكون عند مرضى الداء السكري النمط الثاني في البدء كتلة خلايا بيتا كافية تزيد من إفراز الأنسولين لذلك فقد يظهر فرط سكر خفيف خلال الخمج. أما في مرضى السكري نمط الثاني طويل الأمد مع درجة أكبر من نضوب خلايا بيتا فقد تكون المقدرة على إنتاج أنسولين إضافي للمعاوضة عن زيادة المقاومة للأنسولين قليلة ويؤدي ذلك إلى فرط سكر دم شديد خلال الخمج.

يحتاج هؤلاء المرضى إلى معالجة إضافية أثناء المرض وبصورة نموذجية إعطاء الأنسولين لأن منخفضات السكر الفموية تتطلب أسابيع أو أكثر للوصول إلى التأثير الأعظمي.

يساعد الأنسولين على الوقاية من حدوث HHS – DKA بالإضافة للوقاية من التجفاف والذي قد يحدث عند تجاوز غلوكوز الدم العتبة الكلوية (180 ملغ/دل) مسبباً الإدرار. ينصح المرضى بالإبقاء على إماهة كافية أثناء فرط سكر الدم.

يجب الحذر من استعمال الميتفورمين لأنه يترافق مع خطر ضئيل، ولكنه مهم، لتطور حماض حمض اللبن أثناء المرض الحاد كالخمج البولي والقصور الكلوي ونقص حجم الدم.

يجب تثقيف المريض حول وقف الميتفورمين في حالة المرض الذي ينقص حجم الدم أو يسبب تجفاف. قد يؤدي إيقاف الميتفورمين في فترة زيادة المقاومة على الأنسولين إلى تفاقم فرط سكر الدم وقد يتطلب المرض البدء بالمعالجة بالأنسولين في مثل هذه الحالات.

تعطى جرعة التصحيح من الأنسولين على شكل أنسولين سريع أو سريع جداً خلال الوجبات والنظام النموذجي في مرضى الداء السكري النمط الأول هو إضافة وحدة واحدة من الأنسولين للجرعة الطعامية العادية لكل 50 ملغ/ دل من الغلوكوز فوق معدل الغلوكوز المستهدف.

تضاف في مرضى الداء السكري نمط الثاني وحدة واحدة لكل 30 ملغ/ دل فوق معدل الهدف وقد يتطلب بعض المرضى جرعات أكبر.

يتطلب الأنسولين القاعدي عدة أيام للوصول إلى حالة التوازن الدوائي لذا فإنه غير فعال في الحالات الحادة.

يمكــــن البـــدء بنظـــام أنســـــولين قاعـــدي + أنسولين سريع (BASAL + BOLUS) حين توقع طول مدة المرض.

من المهم التذكير بأن مرضى المشافي مع داء سكري نمط 2 من مستعملي جرعات التصحيح من الأنسولين يظهرون زيادة في سكر الدم أكثر من المرضى مستعملي نظام أنسولين قاعدي + أنسولين سريع.

يجب تثقيف المرضى المعالجين بالأنسولين حول أعراض وعلامات وخطر نقص سكر الدم وطريقة معالجته وتذكيرهم بأهمية عدم قيادة السيارة أو تشغيل آلات حين حدوث نقص سكر الدم.

 

• ضبط الداء السكري في مرضى الجراحة خارج المشفى:

تزيد الجراحة، كما الأمراض الأخرى، من مستوى سكر الدم ويرجع ذلك على الأغلب إلى زيادة هرمونات الشدة والوسائط الالتهابية الكيميائية.

يعاني المريض الجراحي مع فرط سكر مهم (أكثر من 220 ملغ/ دل) في اليوم الأول بعد الجراحة من خطر مهم ناجم عن زيادة معدل الخمج بعد الجراحة. يزداد معدل الوفيات داخل المشفى في المرضى الذين لديهم فرط سكر دم حديث أو المرضى السكريين سابقاً. يحتاج المرضى لتعديل مناسب لنظام المعالجة قبل الجراحة وتزداد هذه التعديلات تعقيداً نظراً لأن أكثر أدوية معالجة السكري لا يمكن استعمالها أو تعديلها في مرحلة ما حول العمل الجراحي.

لا يمكن استعمال الميتفورمين أثناء المرض الحاد أو نقص تروية الأنسجة أو نقص حجم الدم. ونظراً لأن مريض الجراحة معرض لهذه الحالات، فإنه يجب إيقاف الميتفورمين أثناء الجراحة ويمكن العودة إليه عندما يستطيع المريض الأكل والشرب بصورة طبيعية بعد الجراحة مع وظيفة كلوية وكبدية وقلبية مناسبة.

لا تستعمل مخفضات سكر الدم المحرضة على إفراز الأنسولين (كالسلفونيل يوريا) في مرحلة ما حول العمل الجراحي لأنها تحرض إفراز الأنسولين من خلايا بيتا وقد تسبب نقص سكر الدم على الريق أو حين إنقاص الوارد من مائيات الفحم، كما أن الصعب تعديل الجرعة بسرعة لذا فقد يكون لها تأثيراً متأخراً بالإضافة إلى التأثير المديد.

لا تستعمل مركبات الغليتازون لأن تأثيرها بطيء ويبلغ نحو 2 – 3 شهور أو أكثر لذلك لا يمكن تعديل الجرعة بسرعة كما قد تبدي تأثيرات جانبية مهمة كاضطراب وظائف الكبد وتفاقم قصور القلب.

 

• شادات GLP – 1 ومثبطات DDP – 4:

تحرض شادات GLP – 1 ومثبطات DDP – 4 إفراز الأنسولين من خلايا بيتا وتثبط تكون الغلوكوز الكبدي ولها تأثيرات هضمية مهمة والخبرة في استعمالها في المستشفى محدودة جداً. وبناءً على كل ما سبق، فإن الدواء المفضل في مرحلة ما حول العمل الجراحي هو الأنسولين. يحتاج المريض إلى المعالجة بالأنسولين بعد وقف المعالجة الفموية وينصح به في بعض الحالات قبل دخول المستشفى.

أثبت نظام الأنسولين القاعدي + أنسولين سريع قبل الوجبات “بالإضافة لجرعة التصحيح” على أنه فعال في مرضى المستشفيات.

يسمح هذا النظام بتعديل جرعة الأنسولين السريع أو السريع جداً حسب مستوى سكر الدم وكمية مائيات الفحم المتناولة مع نقص في معدل نقص سكر الدم لأن جرعة الأنسولين الطعامية يمكن إيقافها أو تعديلها حين وجود أو نقص شهية للطعام.

إن أكبر تحد لضبط معدل سكر الدم بعد الجراحة داخل أو خارج المستشفى هو تعديل جرعة الأنسولين السريع حسب المستهلك من مائيات الفحم. ينقص الوراد من مائيات الفحم بعد الجراحة ودخول المستشفى مقارنةً مع ما قبل دخول المستشفى، ويجب أن يناسب الأنسولين السريع هذه التبدلات الغذائية. يجب وضع المرضى السكريين قبل الجراحة على نظام الحصص الكاربوهيدراتية واستعمال نسبة الأنسولين إلى مائيات الفحم لتقدير جرعات الأنسولين الطعامية.

يمكن تعديل الأنسولين الطعامي استناداً إلى حجم الوجبة ولكن هذه المقاربة معرضة لتقلبات في مستوى سكر الدم.

يجب تنبيه المرضى إلى عدم أخذ جرعة الأنسولين الطعامية إذا ما كانوا غير قادرين على تناول الطعام ويمكن إعطاء جرعة الأنسولين الطعامية بعد الوجبة إذا كانت الشهية للطعام أو القدرة على تناول الطعام موضع تساؤل. إن التغطية بالأنسولين لمرضى التغذية عن طريق الأنبوب سهلة لأن عدد غرامات مائيات الفحم تكون مطبوعة على مستحضرات التغذية.

تكمن الفائدة الأخرى لنظام الأنسولين القاعدي/ أنسولين سريع في المقدرة على تعديل جرعة الأنسولين (جرعة التصحيح والجرعة الطعامية) بسرعة، حيث تنقص الحساسية للأنسولين بدرجة مهمة أثناء المرض الحاد كالجراحة وتعود تدريجياً للسابق. تزاد جرعات الأنسولين بعد الجراحة لتتناسب مع حاجات المريض وتعدل تدريجياً حسب التحمل. يمكن ألا نعتمد فقط في المرضى المعروفة حاجتهم من الأنسولين على جرعة التصحيح من الأنسولين لأن هذه المعالجة قد تفاقم من تذبذب سكر دم وإنما تضاف إلى الأنسولين القاعدي.

يجب تذكير المريض بعلامات وأعراض وخطر وتدبير نقص سكر الدم لأن الجراحة والقدرة المحدودة على تناول الطعام تزيد من تذبذب سكر الدم ويجب توافر مصدر مائيات فحم بسيطة سهلة الامتصاص كعصير الفواكة أو حبوب الغلوكوز للاستعمال عند اللزوم.

يجب أن يكون الغلوكوز متوافراً لحالات نقص السكر في المرضى الذين لديهم نقص في المقدرة على تناول الطعام أو البلع كحالات عمليات تحويل المعدة أو التغذية بالأنبوب.

تزداد الحساسية للأنسولين بسرعة في بعض الأحيان حين الشفاء من الجراحة ويجب أن يكون المريض عارفاً بإمكانية حدوث نقص سكر الدم في مرحلة التعافي وحين يزداد النشاط الفيزيائي.

 

• الستيروئيدات القشرية Glucocorticoids:

المعالجة بالغلوكوكورتيكوئيد شائعة جداً وفعالة في حالات طبية عديدة لكنها قد تسب تأثيرات جانبية مهمة كفرط سكر الدم أو داء سكري صريح.

اقترحت دراسة واحدة بأن حوالي 2 % من حالات الداء السكري ترتبط باستعمال الستيروئيدات القشرية الفموية وأن الأشكال الأخرى من الستيروئيدات القشرية كالمستحضرات العينية وأدوية الاستنشاق والمستحضرات الموضعية لا تترافق مع حدوث الداء السكري على مستوى السكان.

تحدث الستيروئيدات القشرية فرط سكر الدم عبر عدة آليات، فهي تزيد من إنتاج الغلوكوز من الكبد وتتداخل في وظيفة خلايا بيتا وتثبط استعمال الغلوكوز من قبل الخلايا.

يمكن أن تختلف درجة فرط سكر الدم الناتجة من مريض لآخر، كما يظهر في بعض المرضى فرط سكر الدم خفيف في حين يظهر البعض فرط سكر دم شديد وخطر أو DKA أو HHS، على الرغم من عدم إمكانية توقع أياً من المرضى سوف يظهر عنده فرط سكر الدم نتيجة الدواء.

أفضل التوقعات لظهور الداء السكري هي القصة العائلية لداء سكري والسن المتقدمة وجرعة الستيروئيدات القشرية.

يظهر عند مرضى فرط سكر الدم التالي لاستعمال الستيروئيدات القشرية فرط سكر طعامي غير متناسب مع الطعام، وقد أظهرت مركبات الغليتازون فائدة في ضبط سكر الدم الناجم عن الستيروئيدات القشرية ولكن بطء التأثير والتأثيرات الجانبية قد حددت من فائدتها.

و غالباً، يستعمل الأنسولين في معظم حالات فرط سكر الدم المحدث بالستيروئيدات القشرية، ونظراً لأن المشكلة الغالبة هي فرط سكر دم طعامي فإن جرعة الأنسولين الطعامية قد تؤدي لحصول أفضل النتائج على مستوى ضبط السكر.

قد يستجيب المرضى جيداً إلى الجرعات الطعامية من الأنسولين السريع أو السريع جداً مع إضافة جرعة التصحيح إذا كان سكر الدم مرتفع وإذا كانت مدة المعالجة بالستيروئيدات القشرية قصيرة.

إذا، كان المعالجة بالستيروئيدات القشرية مديدة فإنه يجب تعليم المريض نسبة جرعة الأنسولين إلى عدد غرامات مائيات الفحم المتناولة لإنقاص خطر عدم تناسب الأنسولين مع مائيات الفحم وتذبذب معدل سكر الدم. ويجب بعد التعافي من الجراحة إنقاص جرعة الأنسولين كلما أنقصت جرعة الستيروئيدات القشرية.

يجب أن يكون الطبيب ملماً باحتمال حدوث قصور الكظر إذا كانت جرعة الستيروئيدات القشرية مديدة أو كبيرة (أكثر من أسبوعين) والتي تنقص من الحاجة للأنسولين بصورة دراماتيكية وقد تسبب نقص سكر دم خطر.

تشتمل العلامات الأخرى لقصور الكظر على زيادة التعب، نقص الوزن، الغثيان، الإسهال. حين وجود نقص سكر متكرر على الرغم من إنقاص جرعة الأنسولين يجب الأخذ بعين الاعتبار اختبارات تحريض الكظر لدراسة احتمال وجود تثبيط كظري ناجم عن الستيروئيدات القشرية الخارجية.

 

عن مجلة عالم السكري
مجلة دورية تصدر عن الجمعية السورية لداء السكري

العدد 25/ شباط 2010