المكملات الغذائية المغشوشة

Contaminated Dietary Supplements
د. محمد حسن حتاحت
أخصائي في أمراض غدد الصم والسكري


في واحدة من أخطر مدن الولايات المتحدة الأمريكية، كان لدى أحد عناصر الشرطة هم أكبر من انتشار الجريمة. فطبيبه كان يشجعه منذ سنوات على خفض وزنه، ومثل ملايين الأمريكيين قرر أن يجرب واحداً من المكملات المخصص لإنزال الوزن ليساعده على ذلك. ولكنه بدل أن يخسر عدة كيلو غرامات خسر وظيفته.

وبحسب الملصق الموجود على المكمل المستورد من البرازيل فهو يحتوي على: الڤيتامين E وcentella والسنامكي وcascara إضافة لمركبات “طبيعية” أخرى. ولم يكن الأمفيتامين الذي كُشف وجوده في البول مذكوراً ضمن مكونات هذا المكمل الغذائي بطبيعة الحال. وبإمكاننا القول بأن الشرطي الذي أصبح بدون وظيفة الآن هو واحد من بين الكثير من ضحايا هذه المكملات المغشوشة، والتي أصبحت تمثل خطراً جديداً على الصحة العامة للمجتمع.

وفي آب 2009 اكتشفت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية FDA العديد من المركبات التي صنعت كمكملات غذائية، والتي تحتوي على طيف واسع من مركبات دوائية فعالة. وحتى تاريخ اليوم تم تحديد أكثر من 140 مركباً مغشوشاً لا تشكل سوى جزءاً من المكملات المغشوشة المتوفرة في السوق الأمريكية.

للأسف ساعدت النظم المتساهلة لمنظمة الغذاء والدواء، إضافة لضعف إمكانياتها على خلق سوق كبيرة استطاع من خلالها مصنعوا المكملات الغذائية إدخال عدد كبير من المركبات المغشوشة، ودون ان يخضعوا لأية عقوبة.

إن الموضوع من الخطورة بمكان، وعلى مستوى العالم. ففي أمريكا فقط يستخدم 114 مليون إنساناً مكملات غذائية، وانتشر في أسواق الوطن العربي العديد من هذه المكملات التي لا تخضع لرقابة وضبط كافيين، وفي كثير من الأحيان لا تمثل اللصاقات مكونات المركب، أو تستخدم لغة غير معروفة ومتداولة من لغات شرق أو جنوب شرق آسيا.

هذه المكملات الغذائية تشمل مركبات نباتية وڤيتامينات ومعادن وحموض أمينية ومستخلصات نسيجية، وهي تخضع في أمريكا لقواعد FDA، وذلك تحت بند (DSHEA) المتعلق بالمكملات المتعلقة بالصحة والتثقيف الصحي. كانت المركبات العشبية تعتبر إضافات غذائية، وكان يطلب من مصنعيها أن يثبتوا سلامتها قبل نزولها إلى الأسواق، ولكن بعد عام 1994، ومنذ أصبحت هذه المكملات تخضع لقواعد DSHEA، اعتبرت آمنة ويمكن تسويقها تحت رقابة خفيفة لكونها مركبات من منشأ نباتي. إن هذه القواعد المتساهلة لا يستوعبها المستهلك ولا الطبيب في الولايات المتحدة، وأصبحت قواعد DSHEA تشكل عائقاً جدياً في وجه منظمة الغذاء والدواء، وقدرتها على كشف والتخلص من المكملات المغشوشة.

وتبين من خلال دراسة المكملات أن عدداً كبيراً منها ملوث بوجود أعشاب سامة أو معادن ثقيلة أو جراثيم. ومن هذه المكملات خطورة حوالي اثنا عشر منها، تبين غشها بأدوية أو مواد محظورة الاستخدام أو مركبات قيد التجريب، وقامت FDA بسحبها من الأسواق.

هذه المركبات الخطيرة تم تحري وجودها في مكملات تم تسويقها لعلاج السكري وارتفاع الكولسترول والأرق، وخاصة التي تُرَوج لعلاج الضعف الجنسي وتحسين الأداء الرياضي وخفض الوزن. ففي تموز 2009 حذرت DFA من 75 مركباً لإنقاص الوزن تحتوي على مكونات غير مصرح بها على أنها جزء منها. وتم العثور على أدوية مانعة للشهية في هذه المركبات: Rimonabant وFenproporex التي يمكن لها أن تسبب الإدمان والانتحار. كما أن إضافة Furosemide أو المدرات الأخرى للمكملات قد يسبب حدوث حالة تجفاف ونقص بوتاسيوم. ومن الملوثات الأخرى للمكملات مركبات البنزوديازبين ومضادات الاكتئاب. وتوجد في بعض المكملات المستوردة من البرازيل والمخصصة لفقدان الوزن عدة أدوية في المكمل الواحد. وتبين حديثاً أن بعض مصنعي المكملات والذين لا يملكون أي وازع أخلاقي، قد يلجؤون أحياناً لاستخدام مشابهات أو مضاهئات الأدوية (Analogues) للحصول على تأثيرات مشابهة للأدوية الأصلية، رغم أنه لا توجد أية معايير سلامة لاستخدامها عند البشر. فقد ظهر من خلال دراسة حديثة ﻟ 26 مكملاً تستخدم لتحسين الأداء الجنسي أن نصفها يحتوي على مشابهات مثبطات الخميرة phosphodiesterase النمط الخامس، والتي شاع استخدامها كثيراً لعلاج ضعف الانتصاب (Sildenafil). مع العلم بأن هذه المشابهات لم تدرس أبداً لدى البشر، وأن أخطارها غير معروفة. ولكن تقارير حول آثار جانبية غير متوقعة للمشابهات بدأت تصل من بريطانيا والصين واليابان فيما يتعلق بدواء مثل (Fenfluramine) حيث سببت مشابهاته أذية كبدية وصلت أحياناً لقصور كبدي خاطف استدعى إجراء زرع كبد.

إن الكثير من المكملات الغذائية تباع عبر الانترنت، وأحياناً بواسطة المحطات التلفزيونية المخصصة للدعاية. ونحن في المنطقة العربية لدينا العديد من هذه المحطات التي تبث الأخطاء العلمية المتعلقة بالأمور الصحية، وتروج لمكملات غذائية وأدوية من النوع الذي مر معنا في هذا المثال، أو على الأقل مكملات وأدوية غير معروفة المصدر، ولم تخضع لأي رقابة جدية أو دراسة طبية.

وبما أن هذه المكملات لها آثار جانبية، ويمكن لها أن يتعارض استخدامها مع أدوية هامة يتناولها المريض، فقد بات هاماً أن يسأل الطبيب مريضه بوضوح عن تناوله لمثل هذه المكملات. وأصبح هاماً كذلك ربط وجود آثار جانبية غير متوقعة بتناولها. ويمكن اللجوء لتحليل هذه المكملات ومعرفة تركيبها في حال وجود شك بإضافة مركبات غير مسجلة على الملصق الدوائي.

بعد عرض هذه المعلومات الوافية عن المكملات الغذائية، أصبح من الواجب على جميع العاملين في الوسط الصحي التنبيه لأخطارها المحتملة، وذلك لانتشار استعمالها الكبير بين مرضانا في الوطن العربي. ولابد من حملة تثقيف صحي واسعة بخصوص هذه المركبات حتى لا يقع مرضانا الأعزاء ضحية لاستغلال مادي على حساب صحتهم وحياتهم.

 

مرجع للاستزادة:
Pieter A.cohen, M.D. American Roulette Contaminated Dietary Supplements. N ENG J MED, 16;361, 15, 1525 – 1523 October 2009

 

عن مجلة عالم السكري
مجلة دورية تصدر عن الجمعية السورية لداء السكري
العدد 25/ شباط 2010